سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي
247
الإكسير في علم التفسير
ولو عكس ، لكان من باب تقديم الأفضل فالأفضل ، وهم في الأفضلية على هذا الترتيب . وعلى هذا ، فمتى تفاوت الشيئان فصاعدا في وصفين ، فلك تقديم أيهما شئت باعتبار رجحانه في وصفه ، لاستوائهما يكون كل منهما راجحا من وجه ، مرجوحا من وجه ، نعم إن كان تقديم أحدهما أنسب لسياق الكلام ومطلعه ، كان تقديمه أولى ، فمن ذلك آية النور ، تقديم الأعجب فالأعجب فيها أنسب لما قبله من سياق الكلام ؛ ألا ترى أنه تعالى ذكر عجائب مصنوعاته تنبيها على قدرته بقوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً « 1 » ثم ذكر العجائب العلوية من : برد ، وبرق ، ومطر ، وغير ذلك ، ثم ذكر الدواب ، فكان المناسب تقديمه ما ذكر . ومنه آية الملائكة ، فإنها سيقت ؛ لبيان استحقاقه الحمد ، وتذكير العباد نعمه عليهم ، وتحذيرهم من متابعة الشيطان ، وإنكار كلمهم وكفرهم عليهم ، ثم عقب ذلك بذكر المخلوقات الكثيرة بقوله : فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها . وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ . وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ « 2 » فناسب ذلك تقديم الظالم والمقتصد المفضولين . وتقديم الأكثر فالأكثر . ومنه قوله تعالى : لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ . يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً . وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ « 3 » فقدم الآيات وإن كان من حقهن التأخير ؛ لأن هذه الآية ذكرت في سياق قوله : وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها . وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ « 4 » فذمهم على الفرح بالرحمة والتبرم بالسيئة ، ثم أشار إلى أنه المالك الحقيقي المطلق ، وأنه تعالى : فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ « 5 » سواء أساءهم أو أفرحهم وأن ذلك ليس بنافعهم ، وكأن خلق الآيات مما
--> ( 1 ) سورة النور آية 43 . ( 2 ) سورة فاطر آية 27 ، 28 . ( 3 ) سورة الشورى آية 49 . ( 4 ) سورة الشورى آية 48 . ( 5 ) سورة هود آية 107 .